د. محمد ناجي
منذ أن طلع غلاب على المغاربة بقانونه المستورد من بلاد الأراضي المنخفضة، وحوادث السير لا تزداد إلى اكتساحا للطرقات الثانوية والرئيسية على السواء؛ داخل المدن وخارجها؛ بعد أن كانت جل حوادث السير تقع داخل المدن قبل قانون غلاب، الذي فرضه على الناس بالـغُـلـب.
جـلْـب قانون من دولة متقدمة ليس فيه شيء من العيب، فجل قوانيننا مستوردة من فرنسا، وقليل منها من مصر أو سوريا، وأقل من ذلك من دول أخرى؛ أي أننا باختصار كبعض الطلبة الذين يجمعون بحوثهم بمجهود ينحصر عملهم فيه على الإتيان بأدوات الربط أو حروف العطف، لربط فقرة من هذا الكتاب بفقرة من ذاك الكتاب ، وصفحة من هذا البحث بصفحة من ذاك.. وهكذا.
غير أن العيب يكمن في استيراد قانون من دولة تعتبر في أعلى مراتب الرقي والتقدم الحضاري ، ومن أكثر دول العالم رخاء اقتصاديا ، وطرقاتها من أحسن طرقات العالم اتساعا وصيانة، وشعبها يعيش في بحبوحة مالية يحق فيها القول المأثور “كثر الله حسادنا” ، ومجتمعها يعرف ديمقراطية حقيقية بفضل وعيه واحترامه للقانون، وموظفوه أحرص على كرامتهم من حرصهم على “يورو”، يرفض أي موظف منهم ـ سواء داخل الإدارة أو على الطريق ـ التنازل عن كرامته ليأخذ رشوة زهيدة أو سمينة مقابل إجراء يخالف القانون..
أقول : أن نأتي بقانون من دولة كهذه، ونطبقه على شعب أكثر من نصفه إذا تغذى لا يجد ما يتعشى به، وأكثر وثائقه لا يتسلمها إلا بالمقابل، وأكثر من ثلثه لا يعرف الحروف الهجائية، وطرقه من أسوإ الطرق وأكثرها إهمالا وغشا في الإنجاز، حتى إن الطريق يُـعَـبَّـد لفترة ما بين انتهاء الأشغال وبداية هطول الأمطار فيعود أسوأ مما كان… ثم نقول بأننا نود أن نحقق بهذا القانون ما يتحقق بفضله من سلامة طرقية في تلك الدولة الموردة…
من أهم ما يطبع القوانين في العالم أجمع: خصوصيتها. فالقانون عندما نقتبسه لنطبقه عندنا، لابد أن نراعي فيه فوارق ما بين المعني به في الدولة الموردة، والمعني به في الدولة المستوردة.. فإذا أخذنا بقوانينهم في مبالغ الغرامات عن مخالفات قانون السير مثلا؛ فهل أخذنا معه في نفس الوقت المبالغ التي تُـمـنـح في قوانينهم عن التعويضات المحكوم بها لضحايا حوادث السير. هل يمكن أن نجد عندهم مثلا تعويضا لضحيةِ حادثةِ سير ليس مسؤولا عليها، فـقَـدَ فيها عضوا من أعضائه، ثم يكون التعويض بعد عدة سنوات بمبالغ زهيدة لا تسدد حتى ما ترتب عليه من ديون خلال مدة انقطاعه عن العمل بسبب تلك الحادثة ؟
فإذا أخذنا بالجانب المتعلق بالغرامات في قانون السير عندهم؛ فالواجب أن نتمثل بهم أيضا في الجانب الموازي، أي المتعلق بالتعويضات عن حوادث السير. تعويضاتهم عن حوادث السير تعد بعشرات الملايين من السنتيمات، ونفس الضرر إذا حدث لضحية في المغرب قد لا يُـعَـوَّض عندنا بعشرات الآلاف من السنتيمات أو ببضعة آلاف أحيانا..
وهل رواتب موظفيهم هي رواتب موظفينا؛ علما بأن المعيشة في بعض مدن المغرب هي الآن أكثر غلاء وارتفاعا منها في مدن أوروبية كثيرة؛؛ حتى ثمن العقار في المغرب أصبح يناهز ثمنه في أوربا..
إن القانون وحده لا يمكن أن يقلل من حوادث السير..
تماما كما أن القانون وحده لا يمكن أن يُـنـتِـج عدالة اجتماعية ونزيهة..
تماما كما أن الدستور وحده لا يمكن أن يعطي دولة ديمقراطية حقيقية ..
نحن في حاجة إلى قانون مغربي قح صميم؛ يكون من بين فصوله أن تؤدي البلديات أو الجماعات كامل التعويضات عن الأضرار الناجمة عن حوادث السير التي كانت حالة الطريق التابعة لها سببا من أسبابها.
نحن في حاجة إلى قانون فوقي يراقب حسن تطبيق القانون في كل المجالات.. ويكون فيه الزجر المناسب لسوء التطبيق المتعمد.
نحن في حاجة إلى قانون نعيد فيه النظر إلى الطريقة التي تمنح بها رخص السياقة، والتحقيق في الثروات التي كدستها مدارس السياقة، وراكمها المهندسون المشرفون على اجتياز امتحانات الحصول على رخص السياقة.
نحن في حاجة إلى قانون يعلم الناس السياقة بأدب وأخلاق وتعاطف مع الآخرين، وليس فقط كيف تركن سيارتك على الرصيف، وكيف تقوم بنصف دورة، وتسوقها مسافة مائتي متر في طريق محفوظ.
نحن في حاجة إلى قانون يفرض فيه على كل حاصل على رخصة سياقة أن يأخذ حصة أسبوعية لمدة معينة في التربية على “أخلاق السياقة”، أو ما يعرف “بأخلاق الطريق” ،، وهي غير قانون السياقة .. بل هي أسمى وأجدى من قانون السياقة.. فإذا صدرت منه حادثة كان من الممكن أن يتجنبها، أو نتيجة عدم احترامه للسائقين الآخرين، نفرض عليه إعادة التربية على أخلاق الطريق ..
نحن في حاجة إلى قانون يقول للناس : إن التأمين ليست الغاية منه أن تدوس الناس ولا تؤدي تعويضا من جيبك، ولكن الغاية منه أن يحميك أنت من أن يدوسك الناس ، وتبقى معطوبا طوال حياتك..
نحن في حاجة إلى قانون يؤمن الناس بصلاحيته، ويؤمنون بأنهم متساوون جميعا أمامه، ويؤمنون بأنه يطبق بنزاهة وشفافية على كل المواطنين بكل مستوياتهم ومراكزهم، ليس فيه انتقائية ولا محسوبية ولا زبونية ولا تحيز للقوي على الضعيف أو للغني على الفقير..
نحن في حاجة إلى قانون يجرم كل محاولة للإفلات من العقاب ، ويجرم كل مساعدة للإفلات من العقاب، ويجرم كل قرار أو حكم من شأنه أن يساعد على الإفلات من العقاب؛ ليس فقط على مستوى قانون السياقة؛ بل على مستوى القانون الجنائي برمته.. فالمجرمون طينة واحدة؛ سواء منهم المجرم الذي يركب سيارة فخمة ويسوقها برعونة واستهتار وهو ينظر للبشر أمامه كحشرات حقيرة، يدوسها ولا يبالي،، أو ذاك المجرم الذي يأخذ سلاحا أبيض ليعترض به طريق السالكين .. كلاهما مجرم يجب أن ينال جزاءه طبق القانون، وكلاهما يجب تجريم أي وسيلة تستعمل لحمايته وإفلاته من العقاب.. بالرشوة أو بقرار أو بتوسط أو بغير ذلك
نحن في حاجة إلى قانون مغربي….
قانون مغربي يجعل نصب عينيه تضييق الخناق على مستغليه، وخارقيه، والمستفيدين من مواقعهم فيه… وأن يكون قابلا للتطبيق؛ وليس قانونا تعجيزيا ؛ لأن المبالغة في الشيء تؤدي إلى نقيضه..
باختصار نقول:
نحن في حاجة إلى قانون ملائم وصارم معا، وفي نفس الوقت في حاجة إلى رجال صالحين جادين في تطبيقه على الوجه الأمثل . وبدون هذين معا، يستحيل أن ننتظر تراجعا في حوادث السير، أو تحولا من الفساد المستشري إلى الإصلاح المنشود .. فاليد الواحدة لا تصفق.
[email protected]