معلوم أن القوانين تجدد لتواكب التطورات التشريعية على المستوى الدولي والمحلي، وفي نفس الوقت لتعالج أو لتتصدى لما قد يكون استشرى في المجتمع من مظاهر الجريمة أو الفساد أو المعاملات المشبوهة أو ما إلى ذلك
والمسودة الحالية يمكن اعتبارها حاولت أن تقترب من بعض هذه المظاهر برفق أحيانا، وبتراجع في بعض القضايا التي أصبحت المطالبة بتحريرها من ربقة الطابع الديني ..
لكن الذي لم تلتفت إليه المسودة هو العمل على تضييق إمكانيات استمرار استغلال المنصب، واتخاذ القرارات أو إصدار الأحكام المشبوهة، أو البعيدة عنوة عن النزاهة والحياد .. حيث نلاحظ في هذا الجانب أن مسودة القانون الجنائي الجديد ، المطروح حاليا للاطلاع، وُضِعت على ما يشتهيه بعض من انتسبوا للقضاء من أجل الاغتناء الحرام على حساب مصائر الناس وحيواتهم، وليس لإقامة العدل بين الناس.. فقد فتح لهم هذا القانون الجديد أبوابا واسعة للمناورة وتصريف الأحكام والقرارات على ما يوافق هواهم ، وليس على ما يرضي الله والقانون والناس.. وذلك باستغلال العقوبات البديلة لفائدة المحظوظين ،
ورغم أن المسودة قد استثنت من العقوبات البديلة بعض الجرائم المتفشية في المجتمع والتي لا مناص من الإبقاء على العقوبة الرادعة لها؛ حتى لا تزداد تفشيا كالاختلاس والغدر والرشوة واستغلال النفوذ والاتجار غير المشروع في المخدرات والأعضاء البشرية ، والاستغلال الجنسي للقاصرين (المادة 35 – 3)؛
إلا أنه فاتها أن تدرج ضمن هذه الاستثناءات جريمة “التحيز” ، والتي هي المبرر لكثير من الجرائم وعلى رأسها جريمة الرشوة.
ومع أن عقوبة التحيز في القانون الجنائي الحالي ـ الفصل 254 ـ أخف بكثير من عقوبة الرشوة ، ( من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات )؛ مما يجعلها تدخل في شروط العقوبات البديلة إذا لم يكن الحكم فيها بالحد الأقصى ؛ إلا أنها لم تستثن من العقوبات البديلة .
ومعلوم أن التحيز يتعلق بالقاضي أو الحاكم الإداري.. ومن أيسر الأمور أن يتمتع أمثال هؤلاء بالاستفادة من العقوبات البديلة .. لتُـفرغ العقوبة من مفعولها الجزائي الرادع . مع العلم أن دعاوى التحيز هي من أندر الدعاوى في القضاء المغربي، إن لم تكن أندرها على الإطلاق؛ بحيث لم يسبق لي أن اطلعت على قضية من هذا النوع تناولتها وسائل الإعلام أو المجلات القضائية المغربية ؛ لأنها من أعقد الدعاوى إثباتا .
ولذلك فإنه لا معنى لإدراجها هي الأخرى ضمن الجرائم المشمولة بالعقوبات البديلة، لأنها ، إذا ما رفعت دعوى في موضوعها ؛ فإنها ستستفيد ـ بما يشبه التأكيد ـ من تحويل الحكم فيها إلى عقوبة بديلة؛ وهذا لا يثبت أن القانون الجنائي الجديد جعل نصب عينيه التقليص من حجم مثل هذه الخروقات ومحاصرتها بتشديد العقوبة عليها ، أو على الأقل باستثنائها من العقوبات البديلة لتحافظ لها على مفعولها الردعي ..
وقد يحتاج الموضوع إلى مقال مفصل وليس إلى مجرد تعليق على مقال.