حزب العدالة والتنمية المغربي: إلى أين؟

مشاهدة 13 يونيو 2015 آخر تحديث : السبت 13 يونيو 2015 - 12:35 مساءً

د. محمد ناجي بعد أن أخذت ملامح نتائج انتخابات اللجن الثنائية والمتساوية الأعضاء التي جرت في 3 يونيو 2015 تلوح في الأفق، أدلى بعض زعماء حزب العدالة والتنمية بتصريحات متضاربة حول مواقفهم وقراءتهم لتلك النتائج ، استوقفني منها تصريح السيد محمد يتيم الكاتب العام للاتحاد الوطني للشغل الذي اعتبرها نتائج جيدة ومشرفة؛ فكتبت تعليقا على هذا التصريح في موقع الحزب قلت فيه أن يتيم يكذب على نفسه، وأنه يظل يكذب عليها حتى يصدق نفسه؛ أما المعنيون والمهتمون فإنهم يعرفون الحقيقة، ويعرفون أن نقابته لن تحصد إلا التبن؛ أما الحب فسيأخذه من لا يزال فيه شيء من الوطنية، وتنبأت ساعتها بأن نقابته يستحيل أن تحتل مكانا ضمن المراتب الثلاث الأولى، وأن حصولها على المرتبة الرابعة في الشك.. وها قد جاءت النتائج تؤيد ما ذهبت إليه، حيث احتلت نقابة يتيم البيجيدية المرتبة الخامسة.

Sans-titre26-41811111-1-1-- لقد نشر الموقع الالكتروني للاتحاد المغربي للشغل أمس النتائجَ الأولية لتلك الانتخابات قبل الإعلان عنها رسميا، كما يفعل كل حزب أو هيأة أو نقابة عندما تتوصل بالنتائج النهائية، وتتأكد من فوزها، فإنها تسارع إلى الإعلان عنها، لأن النتائج الرسمية لن تكون إلا مؤكدة لها. حيث جاء في ذلك الموقع : «أظهرت الأرقام الأولية تَـصَـدُّرَ الاتحاد المغربي للشغل وطنيا في القطاعين العام والخاص والجماعات المحلية والإدارات العمومية ، حيث حقق ما مجموعه 3374 مقعدا محتلا بذلك الرتبة الأولى بنسبة 13.39 بالمئة ، متبوعا بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل بنسبة 11.46 في المائة، حيث حصلت على 2887 مقعدا، وفي الرتبة الثالثة الفدرالية الديمقراطية للشغل بنسبة 6.98 في المائة حيث حصلت على 1760 مقعدا، متبوعة بالاتحاد العام للشغالين بالمغرب بنسبة 6.52 في المائة بحصوله على 1644 مقعدا، وحل في الرتبة الخامسة الاتحاد الوطني للشغل بنسبة 4.89 في المائة حيث حصل على 1232 مقعدا». لماذا نكتب هذا؟ لا تشفيا ، ولا شماتة؛ معاذ الله ؛ فقد كنتُ من أكثر الناس أملا وتعلقا بحزب العدالة والتنمية؛ ولو أنني لم أصوت عليه في الانتخابات السابقة؛ وكنت عاقدا العزم على منحه صوتي وصوت كل أسرتي ومعارفي الذين يقتدون بي ـ حتى فيما لا يجب أن أكون فيه قدوة لأحد ـ ؛ ولكنهم يأبون إلا ذلك. وهذا الذي أقوله عن ميلي السابق لحزب العدالة، عندي عليه الدليل المادي المسجل في أرشيفات المواقع الإلكترونية منذ دعوة شباط أعضاء حزبه للانسحاب من الحكومة.. فلماذا إذن نقول هذا الآن؟ نقوله لسببين : أولهما : لأننا لم نلمس شيئا من التحسن في واقعنا ووضعنا الاجتماعي، فالفساد ـ وهو الشعار الذي حمله حزب العدالة في حملته الانتخابية ـ لم يزدد إلا تفشيا وانتشارا. وأكتفي بهذا؛ لأن الحزب لم يعدنا بنقلنا من الفقر إلى الغنى، ولا وعدنا بتوفير مليون سرير طبي في القرى والمناطق النائية، ولا وعدنا ببناء مدرسة قرب كل خيمة أو نوالة.. وإنما وعدنا بمحاربة الفساد، ونحن ننتظر منه أن يحارب الفساد. فحتى لو لم يتحسن دخلنا، وحتى لو ازدحم خمسة تلاميذ في الطاولة الواحدة .. فإننا نصبر على ذلك، لأن القضاء على الفساد، سيتولد عنه بالضرورة مردود مادي وفير لفائدة الدولة ، نستطيع به تحقيق كل تلك المطامح والأماني الأخرى التي نصبو إليها، فالأموال التي يلتهمها الفساد تعد بالملايير من الدراهم، ستصبح من موارد خزينة الدولة بمجرد توقف الفساد، ولابد أن يكون لها تأثير إيجابي على وضعية الشعب ومعيشته، ولابد أن تساهم في التخفيف من معاناته ، وتغطي جانبا مهما من حاجياته وضرورياته، ويوظَّـف قدر كبير منها في إقامة المنشآت الإنتاجية والمرافق الصناعية للتقليص من نسبة البطالة وإنقاذ شبابنا من أن يستمر طعاما موقوتا لحيتان الأبيض المتوسط . أما الثاني؛ فإننا نقوله لنبين لزعماء حزب البيجيدي، ولغيرهم من زعماء الأحزاب الأخرى؛ أن قراءة الشعب للأحداث الوطنية، وتنبؤاته بنتائجها ، أصبحت أكثر قربا من الحقيقة ومن الواقع من قراءات الزعماء الذين يريدون أن يعطوا لأتباعهم حبات من المسكنات، ويصورون لهم بأنهم هم الأول (بضم الهمزة) في المغرب، وأنهم هم الذين سيحصدون أكبر النتائج .. وما غايتهم من ذلك إلا الاحتفاظ بأولئك الأتباع، أو بما تبقى من أولئك الأتباع، مخافة أن يتـشـتـتـوا هم أيضا، وينفرط عقد الحزب نهائيا. إن الخطة التي ينهجها الأستاذ الرميد في العدالة، والسياسة التي يعتمدها الأستاذ بنكيران في رئاسة الحكومة، لن تعودا ـ إذا استمرت على ما هي عليه ـ إلا بأوخم النتائج على الحزب؛ بل على المغرب كله. والأيام بيننا . إنه إذا عجزت وزارة العدل عن تحقيق الإصلاح ومحاربة الفساد في المرفق القضائي؛ فلا يمكن لأي إصلاح أن يتحقق، مهما حاولت جهات أخرى وسلطات أخرى أن تبذل ما في وسعها لتحقيق قفزة نوعية فعالة ولو كانت صغيرة أو متواضعة؛ إلا ما كان من إصلاح مرفقها الداخلي في حد ذاته، دون اعتماد على مساعدة القضاء في معاقبة الفاسدين والمرتشين؛ بحيث تكتفي بتطبيق العقوبات الإدارية المخولة لها قانونا في حق من يُـخِـلون بواجباتهم المهنية من عناصرها، أو يرتكبون أخطاء جسيمة، أو حتى صغيرة.. ففي هذه الحالة سوف يتحقق الإصلاح المنشود داخل ذلك المرفق وبين عناصره وأفراده فحسب. أما أن يتجاوزه ليصبح الإصلاح عاما وشاملا لكل المرافق الحيوية في الوطن؛ فلا سبيل إلى ذلك إلا بإصلاح القضاء. وقد عجز وزير العدل الحالي عجزا واضحا عن فعل ذلك. والقول بأن وزارته قدمت كذا وكذا من القضاة للمجلس التأديبي، وأوقفت كذا وكذا من المسؤولين في الجهاز القضائي، فهو بمثابة من يحاول أن يضيء ملعبا مظلما لكرة القدم بعود ثقاب. إن الإصلاح الحقيقي لا يتمثل في ضبط هذا أو معاقبة ذاك؛ فتلك حالات استثنائية، يتجلى استثناؤها في كونها ضبطت بطرق استثنائية، بسبب غـفـلة، أو عدم أخذ الحيطة اللازمة، مما يوقع المرتشي أو الفاسد في حالة التلبس، أو يجعله عرضة للدليل التوثيقي بالوسائل السمعية أو التصويرية السرية؛ ومثل هذه الحالات لا يمكن أن تكون دليلا على الإصلاح، لأنها فردية واستثنائية في ضبطها، بينما الفساد عام وشامل . وعند ضبط حالة من تلك الحالات ، فإن المتعاطفين مع المضبوط المخل بواجبه المهني أو الأخلاقي يستغربون فيما بينهم كيف جازت عليه ، أو يستخفون به لعدم فطنته حتى وقع في الفخ، وأنه لو احتاط أكثر لما وقع .. مما يدل على أن الوزارة تترك محاربة الفساد لمحض الصدفة ؛ ليس إلا. وهو ما جعل ضبط أولئك الأشخاص لم يوقِـف آفة الرشوة في المرفق القضائي ـ مع وقوفنا إجلالا وإكبارا للشرفاء والنزهاء والمقسطين من رجال القضاء ، حاكمين أو إداريين أو معاونين بكل فئاتهم ـ ؛ ولكن الفاسدين لا يزدادون إلا تغولا ، ولا تزداد تصرفاتهم إلا إضرارا بسمعة المرفق وسمعة الوطن، وإهلاكا للناس ممن ساقهم سوء حظهم ليقعوا تحت رحمتهم، وما فيهم رحمة، ولا لهم شفقة، ولا بهم خوف من الله. إن إصلاح القضاء لابد أن يكون بوضع آليات تساعد على الوصول إلى مصدر الفساد، حتى ولو حاول صاحبه أن يختبئ وراء الاجتهاد الذي لم يصب، أو وراء صلاحياته المطلقة في اتخاذ القرارات النيابية .. تكون هناك وسائل ، أو قرائن، لتسليط الضوء عليه. إن هناك قرارات وأحكاما تكاد تقول خذوني؛ بل إنها تصيح بأعلى صوتها : خذوني، خذوني. فلماذا لا يأخذها السيد وزير العدل فعلا ويسلمها للجنة مختصة محايدة تـتـفحصها، وتستـشف ما وراءها.. وبتكرار تفحص ملفات هذا القاضي أو ذاك ، والوقوف فيها على عدم احترام تطبيق القانون على الوجه السليم؛ فإن أقل ما يمكن أن تقوم به الوزارة، هو إعفاء ذلك القاضي من مسؤولية قضاء الحكم، وأن تسند له مهمة أخرى داخل الوزارة، أو داخل المحكمة لا يكون له فيها دور في الفصل بين الناس. وهذا أضعف الإيمان، وأقل ما يمكن أن تقلل به الوزارة من حدة الفساد المتفشي في محاكمنا. إن ما تبقى من عمر هذه الحكومة أقل بكثير مما انقضى؛ ولكنها مدة كافية حسب تصريح الوزيرة العدلية جميلة مصلي في 25 ماي 2015 «أن ما بقي من عمر الحكومة كاف لاستكمال ورش الإصلاح» .. ومن ثم فعلى الحكومة أن تسارع الخطو في الاتجاه الصحيح نحو الإصلاح الحقيقي بوضع آلياته الذاتية، وليس بانتظار وقوع حالة تلبس أو تلقي مكالمة هاتفية أو تصوير جلسة تفاوض ومقايضة؛ مما أصبح حدوثه من أكثر الأمور استبعادا بعد تَـفَـطُّـن الفاسدين لكل الوسائل والكمائن التي يمكن أن توقعهم في حبائل التلبس أو التوثيق الإلكتروني، وإذا لم تفعل فإنها ستغادر الحكومة دون أن تكون قد أنجزت ما وعدت به من إصلاح للفساد، وهو العقد الذي كان رابطا بينها وبين الشعب المغربي؛ فإذا لم تف به فكيف سيصدقها في وعودها التي ستطلقها في الحملات الانتخابية المقبلة . إصلاح الفساد ـ يا سيد رئيس الحكومة ـ لا يتم بعفا الله عما سلف، ولا يتحقق بالاختباء وراء العفاريت والتماسيح، ولا يكون بتعويض الأموال المنهوبة المهربة بالقروض الفاحشة التي ستزداد وطأتها على كاهل الشعب المغربي في السنوات القليلة المقبلة، ولا يكون بإرضاء الديناصورات الذين لا يشبعون ولو التهموا الغابة بأشجارها وطيورها وزواحفها، ولا يكون بتقسيم كراسي الحكومة والتنازلات المخجلة في كل مرة تـشبثا بالمنصب الوثير والدخل الوفير، ولا يكون باعتماد مقياس الحزبية أو القرابة بدل الجدارة والكفاءة ، ، ولا يكون بالديماغوجية البرلمانية السوفسطائية، ولا باستعمال مقاييس واهية للتدليل على نجاحات سياسية على الصعيد الدولي كــ “التـفـطُّـح ” بالاحترام والتقدير الذي يحظى به رئيس الحكومة أينما حل حيث يتم استقباله بكل حفاوة وإجلال، في الوقت الذي يشاهد فيه الشعب ؛ وهو مغتاظ ، كيف أنهم بخلوا على رئيس حكومتنا بخلا يكاد يكون إهانة ، فلم يفترشوا له ولو مترا واحدا من سجادة حمراء على الدرج ساعة توديعه عند باب القصر. كما لا يكون الإصلاح بتحضير جيش من الغلبة المقهورين العاطلين للمداومة أمام أجهزتهم الالكترونية ليل نهار يوزعون السباب والشتائم البذيئة على كل من يذكر حزب العدالة والتنمية ولا يقول حفظه الله ورعاه.. إن إصلاح الفساد لا يتطلب ميزانية تعجيزية؛ وإنما الصرامة والتتبع، وللسيد وزير العدل ورئيسه في الحكومة مثال يحتذى في المدير العام الجديد للأمن الوطني، الذي يشتغل ـ تقريبا ـ بنفس الميزانية التي كانت مرصودة للمديرية العامة في العهد السابق، ولكن بوجه آخر في الصرامة والمحاسبة وتنزيل القوانين لتطبيقها ووضع الآليات الفعالة لرصد الفاسدين وتوقيفهم عن التمادي في تخريبهم وإهلاكهم للبلاد والعباد . إن غايتنا جميعا هي الارتقاء بوطننا ، وإنقاذُه من مخالب الذئاب التي تنهش لحمه، وتمتص دمه ، وضمانُ أمنه واستقراره ؛ ليظل فعلا الاستثناءَ الرائعَ المحمود في إفريقيا والعالم العربي والإسلامي؛ بل ولِـمَ لا نقول : ليظل المغربُ الاستثناءَ المتحضرَ الراقي في العالم كله إن شاء الله

اقرأ أيضا...
كواليس اليوم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ان جريدة كواليس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة كواليس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان كواليس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح كواليس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.