من مذكرات بحار دمناتي: المامصان (الجزء الأول)

مشاهدة 26 أكتوبر 2015 آخر تحديث : الإثنين 26 أكتوبر 2015 - 12:56 مساءً
من مذكرات بحار دمناتي: المامصان (الجزء الأول)
Aerial of Halcossis cargo ship off the coast of southern Florida

مضت أكثر من سبعة وستون يوما. أقل من هذا العدد ,أو أكثر .لم أعد أتذكر عدد الأيام بالضبط .صار الليل والنهار متشابهان. لم تطأ قدماي اليابسة. تسلل الروتين القاتل إلي دواخلي. لم أعد استطعم الأكل المتنوع الذي يقدمه لي بكل سخاء مساعد الطباخ الملقب بولوك.ولا جلسات الثرثرة والنميمة, التي يقيمها البحار جيليت كل مساء. إزاحة الصدأ الذي يعلو جدران الباخرة وإعادة دهنها .هكذا يبد أ يوم العمل وينتهي. أتناول حماما ساخنا .وبعدها استلقي علي سريري. محدقا في الفراغ .فراغ الروح الذي يقابله فراغ السماء المتقلبة الوجوه وهدير البحرمع الأصوات الميكانيكية لأجهزة الملاحة. أحيانا أرمق الطائرات المدنية, وهي تعبر الأجواء العليا , مثل عصافير صغيرة .وأتحسر في نفسي وأقول: – يالسعادة المسافرين فيها ,الذين ستطأ أقدامهم أرضية المطارات. ليلجوا عالم الحياة البرية. وأعود إلي غرفتي حزينا .أبكي ولا أريد أن يراني أحد من زملائي البحارة. أبكي لعنة القدر. ورطوبة البحار .الآن عرفت لماذا يكون البحارة قساة القلوب .هذا الشعور ربما لايحسه باقي البحارة. الذين تأقلموا مع الجو المستوحش للبحر .الذي يطول بعدد الأيام والشهور. أوأنهم لا يقدرون علي البوح .حتي لا يجرحو رجولتهم, أمام الآخرين .ومنذ متي كانت الرجولة تعني قتل الإنسانية بالحرمان؟ البحار الملقب بالحنش نحيف البنية. طويل القامة, بعيون سوداء, وشارب أسود وعيون تخفي ظلمة. يشبه اليونانيين إلي حد بعيد. من الذين تعلموا اللغة اليونانية بالسماع .فضولي أكثر من اللازم . أصبح ترجمانا بين بعض البحارة الجدد .وبين القبطان ديموس كاريابولوس .عندما يصدر هذا القبطان أمرا أو تنبيها .غالبا ماتتخلل كلامه كلمات بذيئة .ينقلها لنا حرفيا بتهكم البحار الحنش .البحار الملقب بالمقراج شاب ضخم الجثة كثير القهقهة . لا يأبه بعدد الأيام, ولا بظروف العمل. وجد سعادته في المنفي البحري. علي ظهر الباخرة العملاقة بطليموس. يستغرق في اجترار ذكرياته . حتي بات مثل أسطوانة مشروخة تدور في حلقة واحدة.أما باقي البحارة فلا أكاد اسمع لهم صوتا. يشتغلون دون ضجيج .وإذا التقيت أحدهم يبتسم في وجهي. أو يسألني سؤالا روتينيا عابرا عن الصحة والأحوال .ويمضي الي غرفته حيث عالمه الخاص .أو لممارسة هوايته. وحده البحار جيليت ذو الجبهة الضيقة والعينين الضيقتين. ينفث الخبت مثلما ينفث ذخان السجائر .ولا يحب رؤية أثر النعمة في أحد من العمال. وإذا حدث ان رأي أحدهم فرحانا ضاحكا . يحاول تعكير صفو فرحه بوشاية كيدية .او كلام محشو بالقدح .وقد حدث ذات مرة أن أوقع بيني وبين بحار من دولة بورما. مما خلق لي معه عداوة مجانية لم أكن في حاجة إليها. وسط الظروف النفسية التي أعيشها . ولما استفسرت من البحار البورمي عن سبب العداوة بيني وبينه. أجابني بأن البحار جيليت هومن حرضه علي .مما دفعني إلي أن أترصد جيليت ذات ظهيرة .وفي يدي قطعة خشبية مسننة . لأضربه علي قفاه. لولا أن أحد البحارة رمقني ونزل بسرعة من أحد السلاليم ودفعني بكلتا يديه وهو يقول لي: -هل تريد أن ترتكب جريمة ؟ عدت الي غرفتي وأقفلت علي الباب .وفي المساء بعد أن هدأ روعي. طرق علي أحدهم باب غرفتي. وقال بصوت عالي القبطان يطلبك . ذهبت لمقابلة القبطان . فوجدت جيليت يلعب دور الضحية .والدموع تنزل علي وجهه .والحنش الترجمان ومجموعة أخر ي من البحارة متحلقين حول مكتب القبطان .توجه إلي القبطان قائلا: – لماذا تريد أن تعتدي علي مواطنك جيليت ؟ -أنا أريد فقط أن أهدده. -هذا غير مقبول . -ولكنه دائما يزرع الفتن والمكائد اسأل البحارة الآخرين؟ نظر القبطان في وجوه باقي البحارة ووجدهم صامتين وصرخ في وجههم. -هل صحيح أن جيليت يصنع المكائد والدسائس؟ -نعم هذه حقيقة رد عليه أحدهم . -باقي خمسمئة (500) عقدة بحرية لنصل إلي كيب تاون بجنوب إفريقيا ومن هناك ستعود إلي بلدك ياجيليت سأبعث بالفاكس إلي الإدارة بلندن . لما سمع جيليت بالقرار تحول بكاءه إلي نواح أرملة. وأخذ يستعطف القبطان ويقسم له بأنه بريئ . أما أنا فلم أعر أي اهتمام للأمر. ليحدث ما سيحدث لقد سئمت تكاليف العيش بالبحر … أحيانا أنزل عند البحار الظريف إلي قبو الماكينات المساعدة وسط الباخرة . حيث الحرارة العالية, وأصوات صفارات الإنذار المتتابعة .التي تطلقها التوربينات. لكنني أجد راحة في الحديث مع هذا البحار. لأنه قليل الكلام, كثير العمل .لا يستعمل الألفاض غير اللائقة في الحديث, ولا يمارس النميمة. حتي الدولارات القليلة التي أسخن بها جيبي كل شهر لم تعد تعني لي شيئا. كل همي أن أصل إلي أية دولة أو مدينة. كي أستعيد هدوئي. الباخرة الجميلة بطليموس .أضحت في نظري قطعة من الأحلام والكوابيس تسبح في مياه المحيط بلا هدف. باقي خمسمئة 500 عقدة بحرية لنصل الي كيب تاون.أخيرا سنصل الي اليابسة. سأعانق أمنا الأرض. الكل ينتظر بفارغ الصبر, وصول الباخرة بطليموس إلي ميناء كيب تاون .وصار الحديث عن قرب الوصول الي اليابسة .علي لسان كل بحار مثل قدوم العيد بعد شهر الصيام . وقد سمعت في مساء ذلك اليوم البحار الحنش يقول للبحار المقراج : -حوالي تسعمائة (900) كيلو متر فقط وسنتلذذ بالحياة. رد عليه المقراج: – سأذهب الي الماماصان فور وصولي. وأردف عليهم بحار آخر : -نعم كلنا سنذهب إلي الماماصان. قلت في نفسي حتي أنا البحري الجديد سأزور الماماصان . . في الليل لم يستسلم جسدي للنوم .رغم التعب الشديد من فرط العمل في دهن جدران الباخرة. صعدت إلي أعلي الباخرة أنظر في الأفق البعيد. علني أري طلائع مدينة كيب تاون.لكن لا أضواء في المدي البحري الطويل. وحدها موجات الراديو ترانزيستور الذي في جيب معطفي تصدح بأنغام إفريقية وتقول لي اليابسة صارت اقرب . غير أنني لمحت مايشبه أضواء صغيرة مثل سقط الزند متراكمة .خمنت ربما هي كيب تاون. لكن متي سنصل إليها ؟ربما في اليوم الموالي. أو عند فجر اليوم الذي يليه .عدت إلي غرفتي ولم أشعر حتي غرقت في نوم عميق . في صباح الرابع عشر من شهر مارس من عام .1999 الحرارة بالنهار25 درجة مئوية وبالليل 13 درجة مئوية .السماء صافية. ومدينة كيب تاون تلوح مبانيها في الأفق وسط مروج خضراء. وسحب ناصعة البياض, . لا تفصلنا عنها سوي سويعات قليلة . جهزت ملابسي ودولاراتي . سألت البحار الظريف عن وجهته بعد الوصول الي الميناء. فأجابني بأنه سيبقي في محيط الميناء .لأنه زار المدينة عدة مرات .أما باقي الشلة البحرية فقد تداولوا في ما بينهم برنامجا حافلا يبدأ بزيارة الماماصان . وكان أسعد البحارة الملقب بالبيضاوي الذي تسلم حجزا علي الطيران الهولندي كيليم .سيستقل الطائرة من جوهانسبورغ, نحو فرانكفورت بألمانيا .ثم نحو الدار البيضاء في إجازة سنوية . انصرفت إلى عملي ,بحيوية ونشاط. إلي أن حل المساء .تناولت سندويتشا ومشروبا غازيا .والتحقت بجلسة الشلة البحرية الملعونة. في انتظار دخول الباخرة إلي الميناء. وإنهاء الإجراءات الجمركية. وإعطاء الإشارة لبداية الcargo handling .بقينا علي السمر الليلي حتي بزوغ شمس اليوم الموالي .ناولنا القبطان ديموس كاريابولوس جوازات المرور المؤقتة مخثومة من الشركة. القبطان ديموس كاريابولوس ,رغم بنيته النحيفة ,إلا أنه يتمتع بصلابة ولياقة بدنية عالية. ووجه واضح التقاسيم, مثل أغلب البحاررة اليونانيين .وقد سمعت الحنش يقول لجيليت, بأن القبطان ومساعدوه اليونانيين ,سيذهبون الي منطقة سون سيتي بكيب تاون. حيث تنتظرهم زوجاتهم اللائي التحقن بهم في الفنادق الراقية . عدت إلي غرفتي, غيرت ملابسي, وانطلقت مسرعا ففوجئت بالشلة البحرية ,وقد اختفي أثرها مثل ثيران الكوريدا, عندما تنفرط من حلباتها .ذهبت بمعية البحار الظريف. ركبنا سيارة الماء التاكسي واتر. حتي رصيف الميناء . تخطينا بوابة شرطة الحدود البحرية بدون مشاكل. حاصرتنا مجموعة من الباعة, وبنات الهوي .صدهم البحار الظريف بعبارة إنجليزية سريعة. سألني الظريف عن وجهتي قلت: -أنت تعرف أنني جديد في مهنة البحر .ولم أزور هذه المدينة قط. وإنجليزيتي نص نص. -لابأس خض التجربة فحسب. اذهب الي شارع لونغ ستريت. فهو شارع جميل ستجد كل ما يروقك هناك . توقف سائق تاكسي قريب منا. طلب منه البحار الظريف, أن يقلني إلي شارغ لونغ ستريت. فابتسم السائق وانطلق بي كالسهم وسط معالم مدينة كيب تاون. محمد البوشيخي

اقرأ أيضا...
كواليس اليوم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :ان جريدة كواليس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة كواليس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان كواليس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح كواليس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.