جاسوسة بمواصفات خارقة            ( رواية )
نشر الخميس 15 ديسمبر 2016 - 19:48

عبد اللطيف مجدوب

أبرز معالم الرواية :

== تدور أحداثها في كل من العراق وأمريكا وإيران وسوريا … تتزعم أدوارها
البطلة الروسية فلادوريا بوصفها أخطر جاسوسة ، وبجنسيات متعددة …
سعت ؛ في تحركاتها ؛ لتنفيذ مهام خطيرة ، كان آخرها في مياه الأبيض المتوسط .==

صفقة منتظرة في الموصل…
بغرفة منزوية جانبا وسط حطام سيارات محترقة .. وأنقاض مباني ؛ لم يعد يتراءى منها سوى أضلع خرسانة متلاشية .. كشفت عن قضبانها الحديدية معقوفة وهي موجهة إلى عنان السماء..
جدارية غطت جانبا من الغرفة .. تحمل شعارهم الحربي ، وأسفل منه بندقيتان من نوع الكلاشينكوف .. كانت نظراته الحادة لا تفارقهما وهو يقعد القرفصاء إلى جانب رجل ربع القامة ولحية كثة وعصابة سوداء أرسل منها طرفا إلى قفاه … الشيخ أكرم رفع بصره من خرائط معقدة كانت تؤثث الطاولة .. توجه إلى جليسه وهو يدعك لحيته بأصابع أنامله الخمسة : مرحبا بأخينا عمر الفارس .. كيف تركت الميدان ؟
عمر الفارس : يستل وثيقة من حقيبة جلدية يتمنطقها …” المعارك على أشدها .. والكفار في طريقهم إلى الاندحار.. هذه الليلة أو في صباح اليوم التالي …” ، يتسلم الشيخ أكرم الوثيقة ليفضها على الطاولة .. قبل أن يأخذ في قراءتها ، وهو يداعب لحيته بأصبعين .. يفتل خصلة مرة ليطلقها أخرى ، وفجأة فغر فاه ؛ وسط غابة من الشعر الكث ؛ وأرسل قهقهة مدوية ليستتبعها قائلا وعيناه محمرتان كجمرتين متقدتين : “حياك الله يأباحفص .. ! والله إنها لفكرة ستروي أرض الشام بخيراتها إن شاء الله “.. قالها وهو يهم بفتح جهاز لاسلكي عسكري يضعه على كتفه …
“الله أكبر .. الله أكبر! الله أكبر .. الله أكبر! يأباحفص.. والله أسعدتنا بما أوحى الله إليك من فكر ثاقب ورأي سديد ..”
” الله أكبر .. الله أكبر! الله أكبر .. الله أكبر! الشيخ أكرم إن القافلة في طريقها إلينا .. وسنعمل على تطهيرهن قبل أن يتحملن مهام الفصل والهلاك والثبور . وفي انتظار تعليمات قائدنا المظفر الخليفة أبي بكر البغدادي حفظه الله ، سألتحق بالقافلة حال دخولها مياه دجلة إلى مرفإ الموصل ..”
نهض الشيخ أكرم واقفا ، ومد يده إلى الكلاشينكوف وبعض الخراطيش .. توجه صوب الباب ونادى : ” أبا عثمان .. أبا عثمان ! …” حاضر شيخنا . الصوت لرجل بدين مدجج بالسلاح ، كان على مقربة من غرفة الشيخ أكرم ؛ يعتلي كومة من أنقاض الخرسانة ،، ليطل منها على غور سحيق هناك يتحسس الشاذة والفاذة ..
” أبا عثمان.. ! سأغيب عنك .. في مهمة خاصة أناطني بها أبو حفص .. هل الناقلة جاهزة ؟ ”
” نعم شيخنا ..صحبتك السلامة ..”
استقل الشيخ أكرم سيارة بلون عسكري من نوع طويوطا ؛ كانت مركونة خلف أغصان شجرة آيلة للسقوط ؛ مزودة بجهاز اتصال لاسلكي وشاشة رادار..أخذ مقعده أمام عجلة القيادة .. أدار المحرك ، ورفع السماعة إلى أذنه : ” الله أكبر .. الله أكبر! أبا سفيان .. حياكم الله (( وأما بنعمة ربك فحدث )) ” قالها كشفرة تربط أعضاء التنظيم ببغداد ونواحيها . فلم يطل انتظاره حتى جاءه الرد على الفور ” الله أكبر .. الله أكبر! حياكم الله الشيخ أكرم .. وصلتنا للتو رسائل مشفرة لأنباء عن عزم الكفار الصليبيين بضرب مواقع لنا في تكريت وكركوك .. فعلينا بلزوم مغاورنا ريثما تمر عاصفة الشياطين … ألبسوا آلياتكم تمويه الأشجار والدواب ، ونكسوا أعلامنا إلى حين .. الشيخ أكرم يمكن لك التقدم قليلا لمسافة سبعة أميال .. وحتى نجدد بك الاتصال .. (( لا إله إلا الله )) ” كانت هذه الأخيرة “كلمة التوحيد” بمثابة الأمر بإقفال الخط .
أطل الشيخ أكرم من كوة نافذة طويوطا برأس مكشوفة شبه حليقة .. ونظر إلى السماء .. كانت هناك بقايا سحب متبددة ، تعلو الأفق تتلاحق سراعا بفعل الرياح الهوجاء التي كانت تعوي هنا وهناك في القمم والسفوح ، مخلفة موجة من غبار الرمال شبه صحراوية .. تحسس بيده سطيحة وجهه التي كانت تتفصد عرقا بفعل الجو الرطب الذي يسود المنطقة .. ثم أدار المحرك من جديد .. وجنح نحو طريق مترب شبه صحراوي .. وبين فينة وأخرى كانت تحين منه التفاتة إلى شاشة الرادار ؛ يتعقب بنظرات حادة وجاحظة خطوطها البيضاء والزرقاء .. كان الطريق يمر بخرائب متراكمة لأبنية بلدات تم دكها تحت نيران طيران التحالف الذي حولها إلى أثر بعد عين .. والمكان شبه مقفر إلا من صوت عقبان تحوم حول المكان … كانت حرارة المحرك مرتفعة ، فلم يكن من الشيخ أكرم إلا أن توقف عن السير ، وفتح الباب ثم ترجل نحو جذع شجرة ذابلة يريد أن يحتمي بها من شدة حر ذلك اليوم القائض … دفن رأسه بين ذراعيه قاعدا القرفصاء ، وفجأة تذكر معاودة الاتصال به من طرف قاعدة الموصل .. فأسرع إلى تشغيل سماعة السيارة والرادار ، وكم كانت دهشته كبيرة وهو يرى أحد خطوط الرادار تحول إلى اللون الأحمر وإشارة الخطر تصك الآذان بصفيرها … رفع السماعة في محاولة الاتصال .. لكنه تعذر فأقفل هاربا إلى الخلف ..غير بعيد عن ناقلته .. وسرعان ما انتهى إلى مسامعه صوت هدير يقترب من المكان ، فحسب أن الأمر يتعلق بفيلق تابع لدولتهم في طريقه لتعزيز مؤونة الشمال ، فنهض واقفا وأسند ظهره لمؤخرة طويوطا .. ولم يدم انتظاره قليلا حتى تكشفت له في الأفق أسراب طائرات أمريكية مزمجرة كالنحل ؛ تعبر المنطقة ؛ .. أصابه وجوم وهو يتعقب بنظراته تواريها خلف قمم شاهقة .. فأسرع إلى داخل الناقلة وأدار محركها يريد البحث عن مكان آمن … وبينما هو كذلك إذا بقذيفة كالصاعقة تنزل عليه من السماء .. فحولته وناقلته إلى أشلاء وشظايا متناثرة في السماء .. وسط ألسنة اللهب والدخان .. في حين كان جهاز السماعة يشتغل وصوت يردد ” الشيخ أكرم .. ! الشيخ أكرم .. !أجبني أين أنت ..” هدأت نيران الحرائق وساد المكان سكون رهيب غلفته جحافل الظلام التي أتت على نواحي المنطقة .. ! وفي تلك الليلة البهيمة لم يكن لشيء أن يخترق سكونها وظلامها الدامس سوى أزيز آليات تجد طريقها نحو موقع الشيخ أكرم . توقفت القافلة ؛ وهي عبارة عن سبع سيارات مدرعة ؛ ترجل بعضهم في جنح الظلام ؛ وهو يتلمس آثار الفاجعة تحت أضواء كاشفة لمصابيح يدوية ، فأخذ يصيح : ” ويلكم .. ويلكم .. أيها الشياطين الصليبيين ! سنمحقكم يوما ولنقطعنكم إربا .. إربا .. الفاتحة للشيخ أكرم ..”
” الله أكبر.. الله أكبر.. (( وأما بنعمة ربك فحدث )) أبا سفيان… !كيف تم التعتيم على راديو الشيخ أكرم .. حتى أصبح في واجهة نيران الصليبيين ؟ ”
” الله أكبر.. الله أكبر..قائدنا أبا القاسم … !أخبرناه بلزوم الحذر ، لكن خللا ما حصل فتعطل خط الاتصال بيننا (( لا إله إلا الله )) ” .. حدق أبو القاسم في أنحاء المكان قبل أن ينادي في صحبه : ” لنعد أدراجنا ، ولعلنا سنكون على موعد للقاء القافلة في الموصل عند مشارف الصبح ..”
أعيد تشغيل محركات الآليات وأخذت تعبر الواحدة تلو الأخرى عائدة من حيث أتت … كان وجه أبي القاسم واجما لا يفتأ ؛ مرة بعد أخرى ؛ ينعل ويتوعد .. وإلى جواره أمام عجلة القيادة عبد السلام يضع نظارة طبية بزجاجتين مقعرتين يتلمس بها شريط الطريق الذي كان يبدو أشبه بأفعوان يحيط بجبل من سفوحه إلى أعاليه ، وفي لحظة ما سأل عبد السلام : ” لا تنس أن تذكرني .. ؛ عندما سنكون على مشارف الموصل ؛ بالتوقف عند منزل أهل الشيخ أكرم ..”
” يقال بأن له خمس نسوة .. جلبهن من قبيلة البشمركة ..”
” هيا ياعبد السلام انتبه للسير فإننا نمر بمنحدر وعر …هل لديك سيجارة ؟..ناوله إياها فأخرج عبد السلام ولاعته وولع بها السيجارة في ضوء شعلة صغيرة كشفت عن وجه متغضن وعينين حمراوين ولحية وشارب حولت وجهه ورأسه إلى هامة سوداء.. !
أخذت أنوار الصباح تنبلج ، وعلى إثرها بدأ في الظهور ؛ على جنبات الطريق ؛ تناثر غبار لعجلات مصفحات ، وهي تهدر على مشارف مدينة الموصل ؛ التي بدت كما لو كانت تزيح عنها بقايا بقع الظلام .. في أسفل السفح وغير بعيد عن مباني المدينة ؛ توقف عبد السلام ؛ فتوجه هذا الأخير إلى أبي القاسم الذي يبدو أنه ذهب في نوم عميق ..
” أبا القاسم .. أبا القاسم .. !لقد أصبحنا الآن بمحاذاة منزل أهل الشيخ أكرم ..فهلا طلبتم شيئا ؟ ”
أخذ أبو القاسم يدعك عينيه بكلتي يديه .. ويتمطى في مقعده قبل أن يفغر فاه : ” سألتحق بكم ريثما أجتمع بأهل الشيخ أكرم…” …ترجل أبو القاسم في اتجاه مبنى بحراسة رجلين ملثمين .. توقف وخاطبهما : ” الله أكبر .. الله أكبر! (( وأما بنعمة ربك فحدث )) فما كان منهما إلا أن أفسحا له الطريق .. مشيعين له بأيديهم . طرق الباب نقرتين ليجد نفسه وجها لوجه أمام امرأة طاعنة في السن .. بادرها قائلا : ” كل نفس ذائقة الموت ، رحمه الله .. وهذا أبا القاسم ، ناديني نسوته .. دخل غرفة كانت معدة للضيوف وبعد مرور وقت وجيز التحقت بالمكان سبعة نسوة في خمر ونقب سوداء فبادرهن : ” صباح الخير وهذا قدر الله … سوف تصبحون ؛ من الآن فصاعدا ؛ من أهلي وعشيرتي ، وهذا عربون حملي لكن على عاتقي ..” وكانت عبارة عن صرة بها أوراق خطية .. ومالية خاصة بدولة داعش .. ناولها لأصغرهن سنا قبل أن ينهض عائدا … توجه إليهن بصوت خشن : ” سأتفقد أحوالكن كل ليلة ؛ متى سمحت لي الأقدار الإلهية بذلك ؛ أنعم الله صباحكن .. تقدمت إحداهن وشيعته إلى باب المنزل في صمت مطبق .. !
في تلك الأثناء كانت الشمس ترسل بخيوطها الذهبية الدافئة إلى المنطقة لتنكشف عن مبان مزدحمة ، وأنقاض لأحياء حولتها الغارات والحروب إلى خنادق ومتاريس وأكياس رمل مكدسة هنا وهناك … وبينما أبو القاسم يخترق بمصفحته تلك الأحياء إذ لاحت له عن بعد مداخل نهر دجلة بمياهها الهادئة عاكسة لأشعة الشمس جنوب الموصل .. فتوجه إلى عبد السلام : ” قبل أن تغادرني للراحة قل لهم بأن يخصصوا لنا مصفحتين من الحجم الكبير هوندا مجهزتين بوسائل الراحة ..”
كان هناك قارب كبير .. يبدو أنه متوجه إلى إحدى بوابات النهر .. وإذا بصوت يرن في راديو أبي القاسم : ” الله أكبر.. الله أكبر.. (( وأما بنعمة ربك فحدث )) الشيخ أبا القاسم .. ! الشيخ أبا القاسم نحن على مشارف الموصل جنوبا والكل على ما يرام … ننتظركم قبل تسليم البضاعة ” فرد أبو القاسم من فوره : ” يأباحفص.. حياك الله .. إني على وشك الدخول إلى المرفأ ، ومعي كل التجهيزات التي طلبتموها لتأمين هذه الصفقة ..”
كان القارب يبدو فسيحا ..على ظهره ظهرت وجوه ملتحية .. تذهب جيئة وأيابا على طول القارب وكأنها من رجال خفر السواحل .. ترجل أبو القاسم في اتجاه البوابة الجنوبية ؛ بينما كان القارب يدخل المرفأ ، ويقترب من جنبات الرصيف التي غصت عن آخرها برجال مدججين بالأسلحة ورؤوسهم معصبة بخرق بالية تحمل شعار داعش …
نزل من السلم شخص بدين ؛ يرتدي سترة ظهر من خلفها بندق الكلاشينكوف وبحزام يكشف عن قنابل يدوية مشدودة بإحكام … تعانق الرجلان بالأحضان أبو القاسم وأبو حفص على جانب الرصيف ؛ وسط جمع من المسلحين ؛ كانوا هناك منذ الصباح الباكر.. أبو حفص مخاطبا رجاله على متن القارب : ” هيا .. هيا سنفرغ الحمولة هنا مشيرا بسبابته إلى شاحنتين كبيرتين هناك بلون عسكري مائل للرمادي … وبعد حين ظهرت صناديق حديدية ضخمة محمولة بأيادي رجال القارب .. تنزل تباعا لتشحن من جديد إلى مدينة تكريت .
تقدم أبو حفص من أبي القاسم وهمس في أذنه : ” إنها عبارة عن أسلحة جد متطورة ، استقدمنا بعضا منها من روسيا والبعض الآخر من إسرائيل .. لكن المفاجأة السارة في كل هذا ستظهر بعد حين ”
” كم أنتم أشاوس ياأبا طلحة ..! سأنقل شهامتكم هذه إلى سيدنا الخليفة ..”
بعد حين دعا أبو طلحة رفيقه للصعود إلى متن القارب .. أدار مفتاحا حديديا في باب ليلج عنبرا رحبا مضيئا ، وعلى كراسي جلدية هناك قعدت فتيات بعضهن في سن الزهور بفساتين بزي أوروبي صرف ، أغلبهن شقراوات ذوات أعين خضراء تتقد ذكاء وشررا … وقف أبو القاسم مشدوها أمام مشهدهن ، لكن أبا طلحة حاول التخفيف من روعه وهو ما زال يخاطبه بسرية تامة : ” كل واحدة .. تجيد خمس لغات .. الإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية والعربية ..”
اندهش أبو القاسم ؛ وهو لا يكاد يصدق ؛ حتى العربية ؟!
” نعم حتى العربية.. فضلا عن كون معظمهن يحمل مؤهلات دبلوماسية عالية المستوى .. وفوق هذا وذاك انضموا إلى صفوفنا طواعية وعن طيب خاطر ، وهن يحملن جنسيات مختلفة ، أمريكية وبريطانية وروسية وإسبانية ، بل والأدهى في كل هذا أن من بينهن من يحفظ القرآن عن ظهر قلب .. !!” تقدم أبو طلحة إلى إحداهن وكانت آية في الجمال وسألها في فضول : ” كيف كان سفركم ..؟” ردت عليه بعربية فصيحة وابتسامة ساحرة : ” السفر كان مريحا ..” التفت صاحبنا إلى أبي القاسم موشوشا : ” تدعى هذه الغادة بفلادوريا روسية الأصل تمتلك قدرات خارقة في اختراق المواقع الإلكترونية الأشد تحصينا في العالم .. !!”

في الطريق نحو مقر الخليفة
سيارتان مصفحتان ؛ تم تجهيزهما بعناية تامة … الأولى تقل الفتيات الأروبيات بزي أسود من أم رأس كل واحدة إلى أخمص قدميها ، بينما الثانية يشغلها الشيخ أبو القاسم بمعية بضعة رجال ؛ ملثمين مسلحين بأسلحة رشاشة ؛ في الخلف . فتح أبو القاسم جهاز الاتصال : ” الله أكبر .. الله أكبر .. (فإنما أنت مذكر) ” ، كانت هذه الأخيرة بمثابة الصيغة للدخول إلى الشبكة المؤدية إلى دائرة الخليفة أبي بكرالبغدادي … بعد برهة أتاه نداء على الخط ” الله أكبر .. الله أكبر ..أبا القاسم ! سنفتح لكم العبور إلى تكريت ؛ مقر سيدنا الخليفة ، وحال اقترابكم ستجدون كوماندو “طيراً أبابيل” ، سيتولى خفركم إلى المقر المركزي ..لا إله إلا الله ”
أعطى أبو القاسم إشارة الإقلاع .. كان اليوم قائضا ، والطرقات والأحياء والخرائب شبه مقفرة إلا من رجال مسلحين سود يعبرون جيئة وذهابا ؛ بينما كانت راياتهم منبثة هنا وهناك ؛ فوق السطوح وأعمدة الكهرباء ؛ تخفق في مهب رياح لافحة ! .. دلف أبو القاسم إلى عنبر ضيق خلف السائق ، وتمدد على مصطبة هناك .. ثم ذهب في نوم عميق ، في حين كانت المصفحة بيك- إب تسرع في طريقها عبر مناطق شبه صحراوية ؛ تتخللها تلال صخرية ؛ بينما بصرالسائق عبد الجواد لا يفتر عن الالتفاتة بين فينة وأخرى إلى شاشة الرادار وخطوطه الزرقاء والبيضاء وهي تتراقص ظاهرة حينا ومختفية أخرى … وفي لحظة ما لاحظ تحول ألوانها إلى لون أحمر بخط منكسر مصحوبة بإشارة خضراء تومض .. فما كان منه إلا أن توقف عن السير ونقر باب العنبر خلفه …
خرج أبو القاسم ؛ وبينما هو يحدق في شاشة الرادار ؛ إذا بسيارة سوداء تتوقف بمحاذاتهم .. نزل منها شخص ملثم يحمل بندقا رشاشا في أهبة التسديد ، صاح في اتجاه أبي القاسم : ” الله أكبر .. الله أكبر ..من أنتم ؟ ” وعلى الفور رد عليه هذا الأخير : ” الله أكبر .. الله أكبر .. أبو القاسم (فإنما أنت مذكر) .. أعاد الملثم الرشاش إلى غمده ، وتقدم من أبي القاسم : ” حياكم الله أبا القاسم .. سنصحبكم قليلا قبل أن تلجوا مجال القيادة المركزية .. واحفظ هذه الشيفرة دون زيادة أو نقصان
(( ولكم في القصاص حياة )) …
تابعت القافلة طريقها خلف الرجل الملثم ، ويبدو ؛ من خلال بعض الإشارات الطرقية وحطام المباني ؛ أنهم على مشارف مدينة تكريت . وبعد حين .. وكأن أمرا صدر للملثم بالتوقف .. فجرت مخابرة قبل أن يخرج يده مشيرا لأبي القاسم بالتقدم واستئناف طريق شبه رملي مقفر قادهم ؛ في الأخير بعد نصف ساعة من السير؛ إلى بوابة ضخمة بدت أشبه بمدخل نفق قطار ؛ وقف على جنباتها رجال ملثمون معصبة رؤوسهم بشعار داعش ، وأصابعهم على أزرار أسلحتهم في وضعية التسديد .. تقدم أحدهم صائحا في اتجاه السائق : ” الله أكبر .. الله أكبر .. من ؟ ” … ” الله أكبر .. الله أكبر..أبا القاسم ( ولكم في القصاص حياة ياؤلي الألباب ).. وقبل أن يأتي على ذكرها ، تم استنفار الملثمين وتقدم حوالي عشرة منهم ليطوقوا السيارتين ، ويأمروا بإنزال الركاب .. نزل أبو القاسم ؛ وأدرك لتوه أنه زاد في لفظ الشيفرة ؛ فاستدرك قائلا : ” الله أكبر .. الله أكبر..أبا القاسم ( ولكم في القصاص حياة ) ” … فتح الرجل الملثم جهاز الاتصال وهتف قائلا : ” الله أكبر .. الله أكبر.. ( ولكم في القصاص حياة ) من خفر الشيخ أبا القاسم إلى مشارف الإدارة المركزية ؟ ” …” الله أكبر .. الله أكبر.. طيرا أبابيل ( ولكم في القصاص حياة ) .. لقد ألححنا عليه بضرورة نطق كلمة العبور بلا زيادة أو نقصان ” لا إله إلا الله ”
تقدم أحد الملثمين وأومأ إلى أحدهم بالضغط على زر كان مثبتا داخل علبة جدارية … وما هي إلا لحظات حتى شاهد رأس عربة سككية جاءت لتقل أبا القاسم ومن معه من الملثمات …
كان النفق غارقا في ظلام دامس إلا من غبش مصابيح يدوية تغدو وتروح وكأن هناك فرقة خاصة أوكلوا لها بتتبع حركة العربة وهي تلج دهاليز وسراديب متعددة الاتجاهات .. فجأة توقفت العربة وصعد ملثمان ، وأخذا في تفرس سحنة الضيوف قبل أن يشيرا لهم بالنزول والسير في أثرهما .
انفتح باب حديدي على أقبية مضيئة بعناية فائقة ؛ متصلة فيما بينها ؛ عبر حواجز خشبية وألواح زجاجية شفافة ؛ تكشف عن غرف مجهزة بوسائط اتصال جد عالية من خلال شبكة الإنترنت وأجهزة الراديو ؛ تحتل جنبات كل غرفة ؛ وهي تومض بكتابات وإشارات ملونة بالإنجليزية والألمانية ، تلمع في وجوه ملتحية ملازمة لكراسي الكترونية …
ولج أبو القاسم قبوا آخر ، قبل أن تصطحبه امرأة ملثمة ؛ دخلت لحينها ؛ إلى قاعة فسيحة مفروشة بزرابي تركية مزركشة ؛ يتصدرها كرسي جلدي وثير ، ظهرت عليه مسحة من التجلة والاحترام ، تحرسه على ذراعيه امرأتان ملثمتان بصدريتين حاملتين لأجهزة اتصال تلمع بومضات خضراء وصفراء ..
بعد حين ، سمع لهرج ومرج ،، على إثره ولج القاعة رجال مدججون بأسلحة أوتوماتيكية ، يحفون برجل مديد القامة ملتحي ؛ يرتدي عمامة سوداء فاقعة أرسل منها طرفا إلى الخلف …
اهتزت فرائص أبو القاسم ؛ وصوت مدوي ينتهي إلى مسامعه : ” سيدنا الخليفة الله ناصره .. سيدنا الخليفة الله ناصره..يحضر المجلس ” … استوى الرجل على الكرسي ، بينما تراجع رجاله إلى الخلف ، قبل أن يتوجه ببصره إلى أبي القاسم ويهمهم بصوت جهوري : ” بسم الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله .. إنه ليسعدنا أن يكون من بين رجال دولتنا رجل كالشيخ أبي القاسم .. ونظرا للبلاء الحسن الذي أبليته أنت ورجالك في محيط تكريت ، قررنا أن نوليك منطقة بغداد ، وعليك النظر في من سيخلف أبا أكرم رحمه الله ” .. وللتو دخلت امرأة ملثمة وأسرت إليه بشيء ما .. فما كان من الرجل إلا أن نهض واقفا وأمارات الارتياح تعلو أساريره ، في حين كان صوت يدوي خلفه : ” بارك الله في سيدنا الخليفة .. الله أكبر ولا إله إلا الله ”
انفض المجلس ، وتوجه الخليفة إلى إحدى الملثمات : ” علي بها ” … وعلى إثره دخلت الفتاة الروسية فلادوريا ؛ في فستان أسود فضفاض ووجه مكشوف ؛ تضع على رأسها قبعة خضراء حاملة لشعار الدولة باللون الأبيض اللامع … فهدأ الخليفة من تهيبها : ” مرحبا … مرحبا …بفلادوريا المسلمة الآمنة .. دولتنا تفخر بنساء في مثل قدراتك .. وقد عيناك في منصب أمين سر الدولة في الاتصالات الخارجية ..” تقدمت منه فلادوريا .. وقالت في حياء : ” أمد الله في عون سيدنا .. ونحن جميعا في خدمة الدولة ولي أعناق الصليبيين ” .. ابتهج الخليفة لفصاحتها العربية ، وأذن لها في الانصراف .

صيد ثمين لم يكن منتظرا ..

في غرفة مستقلة ، وبقبو يقع تحت الأرض بمسافة خمسين مترا ، تجلس فلادوريا أمام حواسيب جد معقدة ، تحضر إلى جوارها مساعدتها كاميليا … كانت مؤشرات الصفحة الإلكترونية كلها تعرض لبوابات موقع البنتاغون .. ونقرات فلادوريا على أشدها ؛ وهي جاهدة في اختراق إحدى بواباته ؛ وبين فينة وأخرى تملي على كاميليا تسجيل شفرات طويلة .. كل منها يصل إلى 150 بايت ، تجمع بين كلمات وحروف ورموز وأرقام .. !
وفجأة لمعت عيناها ، وكأنها على وشك اختراق البوابة الأولى ؛ وبين حين وآخر ؛ كانت تجفف جبينها الذي أخذ يتفصد عرقا … مرت بست بوابات ، وأمامها بوابة واحدة .. وجعلت تعيد النظر في الشيفرة الخاصة بها ، فوجدتها عبارة عن جمع شيفرات البوابات الست الماضية !
وكم كانت دهشتها وقد أصبحت حرة داخل البنتاغون تتجول كيف تشاء ! وقد ملأت صفحة الموقع مفاتيح لا تحصى للدخول إلى مواقع حساسة متصلة مباشرة بجميع القوات العسكرية الأمريكية ؛ جوا وبحرا وبرا ..
أحضروا لها كوبا ساخنا من القهوة .. رشفت رشفتين ثم استرخت قليلا في مقعدها ، وهي تلتقط أنفاسها المتلاحقة !
أخذت تنقر بسرعة جنونية على موقع القوة الجوية الأمريكية United States Air Force .. USAF ، وفي لحظات عصيبة طلب الموقع رقم الزائر وصفته بلغة مشفرة ، والموقع مبرمج على 15 دق ، فالتأخير والخطأ في إدخال القن يعني إغلاق الموقع عن آخره .. !.. أزاحت الإزار الذي كان مشدودا إلى صدرها الناهد .. لتستعين على خفة تنقل أصابعها على لوحة المفاتيح keyboard وقبل دقيقة واحدة من زمان الإغلاق ، زفرت ونهضت من كرسيها راقصة وهاتفة Oh my God .. ! Oh my God .. ! ، نعم ولجت آخر مرحلة في زيارة موقع الدفاع الجوي الأمريكي … والآن عادت لتنقر على مجال الطلبات ، فكتبت تطلب معدات ثقيلة وذخيرة عبارة عن صواريخ أرض أرض ، فضلا عن أسلحة رشاشة أوتوماتيكية وقنابل موجهة بأشعة الليزر جد عالية التقنية ، كما عبأت الموقع للتسليم ؛ موهمة بأن حمولة الطائرتين الحربيتين ستفرغ في سماء تكريت لتتسلمها القوات العراقية التي ستكون رابضة هناك . أجابها الموقع على الفور بشيفرة ؛ طلب تركيبها في غضون 16 ساعة ، عندما يتلقى الإشارة من طائرتي التحالف في سماء تكريت …
سجلت الشيفرة بعناية وأطفأت حاسوبها ، وتأبطته .. وهمت بمغادرة الغرفة هامسة في أذن مساعدتها كاميليا : ” اتصلي فورا بقاعدة تكريت لتهيئ لنا 10 مصفحات خالية من كل أجهزة الاتصالات …”
دأبت حركة غير عادية في صفوف رجال القاعدة المركزية تحت الأرض .. كما تم استنفار جميع قواتها داخل السراديب والأنفاق وعلى مشارف مدينة تكريت ، لتضليل الزائر الجوي القادم.. !
في أقل من 7 ساعات ، احتشدت قوات مسلحة متنكرة في زي القوات العسكرية العراقية معززة بمصفحات وناقلات حاملة لأعلام عراقية ..!
التحقت فلادوريا في سيارة جيب مستقلة ، كانت ملثمة وبمجرد أن وطأت الأرض بقدميها وكشفت عن وجهها حتى أسرعت إليها قوات من الكوماندو الخاصة لتحفها إلى مكان قريب شبه رملي مترامي الأطراف ، وبين لحظة وأخرى ، كانت تراجع ساعة معصمها ، فأخذت ساعة الحسم تقترب .. نصبوا لها خيمة خاصة تعكس أشعة الشمس الحارقة … ولجت الخيمة في وجوم ، وبعد أن جالت ببصرها في أنحائها ، أحضروا لها حقيبتها لتستخرج حاسوبها الخاص .. فتحته وتوجهت بسرعة إلى موقع القوات الجوية الأمريكية ؛ وهي تنتظر إشارة ما .. كان جو المنطقة خانقا لارتفاع حرارة مساء ذلك اليوم ، فلم يكن من كاميليا إلا أن أحضرت لها قنينات ماء باردة ، فجعلت تشرب وتسكب على وجهها المتورد ، وفي لحظة ما ، وقد أوشكت الشمس على المغيب ، كان هناك وميض أزرق يملأ ركن إحدى زوايا الموقع الإلكتروني ، تلته إشارة بضرورة تركيب الشيفرة .. وبأنامل نحيفة أسرعت إلى تركيبه ، ودعت القوات العسكرية إلى ضرورة التنحي قليلا عن المكان . خرجت هي الأخرى مهرولة صوب سيارة جيب لتقبع داخلها ، وتراقب السماء ..!
وكم كان ذهولها ، وهي تشاهد طائرتين عسكريتين من نوع C-17 تحومان في السماء على علو شاهق ، قبل أن تفتحا بطنيها لإسقاط حمولات ضخمة عبر 10 مظلات حربية مشدودة بإحكام..!
بمجرد أن سرى خبر الصفقة في أنحاء القاعدة العسكرية ، وانتهى إلى الخليفة البغدادي ؛ اجتمع هذا الأخير برجاله المقربين ، وأصدر لهم أمرا بتعميم صلوات الشكر في عموم بلاد العراق والشام كما عين فلادوريا من جديد في منصب المستشارة الأمينة على أسرار الدولة وتمكينها بكافة الوسائل للتدليل على أسرار دول التحالف ..

داخل مقر CIA

المكان ولاية فرجينيا الأمريكية ؛ حيث مقر وكالة المخابرات المركزية CIA بمكتب زجاجي ؛ غطت جدرانه خرائط إلكترونية جد معقدة تومض بعدة مواقع ومفاتيح ؛ تنزوي في ركن هناك ؛ منضدة انتشرت عليها عدة أزرار ، أمامها رجل بدين يتأمل ملفا إلكترونيا أمامه .. وبين حين وآخر ؛ كان يملأ فمه بحفنة من رقائق النقانق شيبس .. إنه المستر براون أو الثعلب الأحمر كما يلقبه زملاؤه بالوكالة .. وفجأة ؛ وعلى حين غرة ؛ ولجت الغرفة سكرتيرته ذات البشرة السمراء ؛ حاملة لوثائق ورقية .. بادرها المستر براون : ” هيلو.. مسز مارلو .. ماذا حملك أن تقتحمي المكتب بدون إشعار ..؟ ” .. أطلقت مارلو قهقهة خفيفة ؛ قبل أن تضع أمامه حزمة من الأوراق قائلة : ” .. المستر براون يتذكر جيدا الرقيبة فلادوريا بلير ..؟” ..- ” أي نعم .. انقطعت عنا أخبارها منذ مدة .. ولعلها ما زالت تقيم بموسكو قريبا من الكرملين .. ماذا جد في الأمر ؟ ”
ـ ” بعثت بوثائق مهمة عن دولة داعش ISIS ..”
ـ ” داعش! ياللهول .. فلادوريا هذه قطعة من الماس الخالص .. أبلغيها إن كانت ترغب في زيارة أهلها .. ومقابلتنا ”
ـ ” ..حاضرة .. حاضرة ” . .. ضغط على زر أمامه ليأتيه صوت على التو : ” هيلو مستر براون ! أتريدني أن أشاركك التهامك لرقائق النقانق ، ليستتبعها بقهقهة مدوية ..؟ !”
ـ ” هيلو .. هيلو ..مستر فالدي ؛ مع الأسف ما زالت نفسك تعاف هذا النوع من رقائق النقانق .. قل يامستر فالدي العميلة الأمريكية فلادوريا ظهرت مؤخرا تحمل لنا أشياء ثمينة عن داعش ..”
ـ ” أعلم جيدا مدى قدراتها .. فقد مكنتنا من الاطلاع على أسرار جمة كنا نجهلها عن الكرملين .. والوكالة باتت تشكو نقصا حادا فيما يخص الملف النووي الإيراني .. أفلا أرسلناها إلى طهران ؟ ”
ـ ” ولم لا .. فهي تجيد الفارسية .. فضلا عن كونها دبلوماسية من الدرجة الرفيعة .. سأتولى هذا الأمر حالما تحضر إلى أمريكا ..” .. أقفل الزر وملأ شدقيه بحفنة من رقائق النقانق قبل أن يحمل جاكيطته على كتفه ويهمس في عدسة بإحدى أزرار قميصه ـ ” هيلو .. هيلو مستر كلارك ! لدي اجتماع عاجل في البيت الأبيض .. فهل الهيليكبتر “الحوامة” جاهزة؟ جاءه الرد سريعا :” .. هيلو سيدي براون إنها جاهزة في الساحة ” .

داخل البيت الأبيض

حطت الهيليكوبتر قريبا من مركز الحكومة الفيدرالية ؛ وعلى الفور؛ استقل براون سيارة خاصة ؛ قادته إلى داخل حديقة البيت الأبيض عبر بوابات هوياتية الكترونية غاية في التعقيد ..
دلف صاحبنا ؛ بمعية إحدى موظفات البيت الأبيض ؛ إلى قاعة رحبة ، غاصة بوجوه مناديب الولايات الأمريكية إلى جوار عمداء الأمن الفيدرالي وممثلي رؤساء وكالة المخابرات المركزية بالقارات الخمس . كانت القاعة تعج بحركة هرج ومرج .. لكن سرعان ما خيم الهدوء .. بعد أن سمع صوت ارتجت به جنباتها :
” رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يدخل ..” ، وبعد لحظات يدخل الرئيس باراك أوباما ؛ محفوفا بنائبه جو بايدن وجون كيري وزير الخارجية ، وأشتون كارتير وزير الدفاع وجاكوب ليو وزير الخزانة الأمريكية . توسط الرئيس المنصة واعتدل في مقعده قبل أن يتوجه إلى الحضور : ” السيدات والسادة ! إن سياستنا الخارجية تجاه آسيا والشرق الأوسط ؛ وفي أعقاب أحداث الربيع العربي ؛ أعدنا توجيه استراتيجيتها في اتجاه الاقتصاد العسكري الذي أدر على الخزينة الأمريكية ؛ حتى متم فبراير الماضي ؛ أرباحا تقدر ب 2 تريليون دولار .. وكنا نأمل في توسيع هذه السياسة لتشمل إيران ، إلا أن صعوبات استجدت في السنتين الأخيرتين .. بعد تعاظم شأن تنظيم داعش . لكننا مصممون على تذليل هذه الصعاب في الوقت المناسب . وسأترك الكلمة للسيد بايدن لتعيين لجنة فيديرالية ؛ تشرف على دراسة الوضع القائم ؛ في المنطقة ؛ واقتراح مداخل لتجاوز الصعوبات القائمة ..” إلى هنا نهض الرئيس واقفا .. وهم بمغادرة القاعة وسط عاصفة من التصفيقات .. في هذه الأثناء يتلقى المستر براون مخابرة من وكالة المخابرات المركزية ، تبلغه بحضور العميلة فلادوريا إلى مقر الوكالة بدون إشعار مسبق .
بعد حين تنحى قليلا إلى الوراء ليخرج من باب خلفي قبل أن يكمل مخابرته : ” مسز مارلو ! ..رحبي بها .. سأكون هناك بعد قليل ..”
ـ ” مرحبا مسز فلادوريا ! أي شراب ترغبين فيه ؟ ” ..أزاحت عنها نظارتها الشمسية ، وألقت بنظرة عامة في غرفة الاستقبالات ، قبل أن ترد بابتسامة عذبة : ” شكرا ..فقط من فضلك كوب من عصير الباندورة.. بدون سكر وبحرارة 0 مائوية ” … وبينما هي توضب هندامها وتعاود أحمر الشفاه ؛ دخل المستر براون ؛ يلهث كعادته من فرط السمنة : ” هيلو .. هيلو مسز فلادوريا ! اشتقنا إليك كثيرا ، وقد قاطعت اجتماعا في البيت الأبيض حرصا مني على لقائك ..”
ـ ” هيلو ..مستر براون أتمنى ألا أكون سببا في حرج ما خاصة وأني قدمت من غير موعد ..ها..ها ”
ـ ” لا .. لا أبدا .. العكس تماما هو ما حصل .. وحتى الرئيس ؛ في اجتماعه ؛ شدد على الوضع في آسيا .. وبالضبط إيران .. قبل كل شيء أود أن أشيد من جديد بتعاونك معنا .. والوثائق المهمة التي كشفت فيها عن أسرار كنا نجهلها عن داعش … مسز فلادوريا ! اليوم ، أصبح الملف النووي الإيراني محل توتر في المنطقة ، وكل المعلومات الاستخباراتية ، التي نتوفر عليها باتت غير كافية ، وغير محينة ، وأعتقد أنك الشخص الحيوي للاضطلاع بهذه المهمة .. والوكالة قادرة على تزويدك بكل الوسائل اللوجيستيكية .. والتقنية لتكوني في وضعية مريحة إزاء هذه المهمة ..”
ترددت فلادوريا قليلا قبل أن تحدق في وجه المستر براون .. : ” ..حسنا .. حاليا لدي مناسبة زفاف في الأشهر القليلة المقبلة ، هنا بنيويورك …” ..قاطعها براون ؛ وهو يقترب منها ويعدل غليومه بين شفتيه ؛ : ” ..أوه .. أوه .. من هوهذا السعيد الحظ الذي سيظفر بهذه الغزالة .. ويختطفها من بين أيدينا ؟ ! .. لا يسعني إلا أن أقدم لك تهنئتي مسبقا … وما رأيك في أن نحتجز لكما جناحا في أفخم فندق بطهران ، لإمضاء شهر العسل ؛ في أفضل الظروف هناك ، ومن ثم ستباشرين مهمتك فيما بعد ..؟ ” .
ـ ” .. شكرا مستر براون على عرضك القيم هذا .. وإني كأمريكية ، سوف لن أعارض أي مهمة تخدم بلدي ..”
ـ ” .. طيب .. طيب .. اتفقنا ، ويبقى علي أن أمدك ببعض التجهيزات التقنية التي وصلتنا حديثا .. ” .. ضغط على زر ليأتيه صوت على التو : ” ..هيلو مستر براون ، معك براد هاريس ؛ أمين التخزين ..”
ـ ” ..هيلو مستر هاريس !.. احمل معك حالا حقيبة بالمعدات رقم CHM3 ..”
اصطحبها إلى مكتبه ، وخلع سترته ورمى بها جانبا قبل أن يتكوم في مقعده .. ويأخذ حفنة من الرقائق ، ويدفع بها إلى فمه . خاطبها وهو يمضغ : “.. مسز فلادوريا ! إن CIA ، تعتمد عليك في الملف النووي الإيراني…” وقبل أن يتم ، دخل .. المكتب المستر هاريس ؛ يحمل حقيبة جلدية ، أمسكها براون ووضعها على المنضدة قبالة مسز فلادوريا ؛ وهي تنظر محملقة في شكل الحقيبة .. تسلم الشيفرة من يد هاريس ؛ عبارة عن كلمتين ؛ نطق الأولى : ” ..I’m going now ” فانفتحت تلقائيا ، كانت تجمع في جوفها خمسة أجهزة يدوية ؛ جعل يدلها على استعمالها : “.. الأولى عبارة عن نظارة شمسية مزودة بكاميرا وسماعة وميكرو SD سعته 60 ميكابايت GB ، والثاني عبارة عن جهاز تحكم ، يعرض للناظر أدق الخرائط تفصيلا في كل بلد ، وموقع ، والثالث يستخدم للنجدة .. في حالة وضعية مغلقة ؛ يقع فيها العميل ، والرابع يعرض للناظر مختلف شبكات الهاتف العالمية ، وأرقام أصحابها يشتغل بثلاث لغات ؛ الفارسية ، الإنجليزية والروسية . والخامس عبارة عن قلادة لإبطال مفعول الكاميرات والأشعة ..” ، في حين نطق الشيفرة الثانية : “.. I’m return now ” ، فعادت الحقيبة تلقائيا إلى وضعية إغلاق .. حملها براون لفلادوريا ؛ وهو يخرج من مدرجه بطاقتين فناولها وهو يشد على يدها بحرارة : ” .. هذه الحمراء للتزود النقدي .. في مختلف شبابيك آسيا والشرق الأوسط ، وهذه البيضاء بالقن الخاص بها ..”
شيعها إلى باب المصعد .. قبل أن يقفل عائدا إلى رقائقه !!

مهمة ليست ككل المهمات … !!

داخل غرفة رقم 750 بفندق ليكسوري كوليكشن بساحة التايمز بنيويورك ، بدت فلادوريا ؛ في خمار أسود ؛ ساجدة تصلي … بعد حين رفعت رأسها من السجود ، وانخرطت في بكاء وأنين متقطع . طرقت الباب كاميليا لتدخل هذه الأخيرة ، رأتها تجهش بالبكاء ؛ والمصحف بين يديها … اقتربت منها ، وأخذت تربت على كتفها في صوت مختنق : ” .. كفاك مسز فلادوريا ! .. دوما تعذبين نفسك هكذا .. فلندع للجميع بالرحمة والمغفرة .. ” .. ؛
بعينين حمراوين مغرورقتين بالدموع ؛ وضعت المصحف إلى جانبها ، والتفتت إليها : “..مسز كاميليا ! .. ألم تعودي تذكرين مأساتي في مقتل أمي بقطاع غزة .. إلى جانب أطفال ونساء وشيوخ ؟ ! لقد حول العدو الغاشم ؛ مع بزوغ أنوار الصباح الأولى لذلك اليوم الأسود ؛ مسجدا هناك إلى رماد وأشلاء .. !! مأساتي هذه لن تنمحي دموعها حتى أفتك بالعدو الأكبر .. إلي بفنجان قهوة من فضلك ..”
فتحت حقيبة الوكالة .. وجعلت تتأمل أغراضها ، ثم نطقت شيفرة إغلاقها ، والتفتت ثانية إلى كاميليا : ” مسز كاميليا ! .. أمامنا امتحان عسير .. نرجو الله أن يحالفنا النجاح ..” ثم أدرجت قرصا صغيرا بأحد مفاتيح التحكم لتلفاز مثبت بزاوية الغرفة .. وقفت كاميليا محملقة وهي تشاهد حاملة الطائرات تملأ الشاشة .. لكن فلادوريا أسرعت لتهدئ من روعها : ” إنها حاملة الطائرات جورج بوش .. كيف تبدو لك ؟ ” … ” أوه إنها عملاقة كمدينة عائمة !! ”
ـ ” … وهي تحمل على متنها 120 طائرة حربية نفاثة مع صواريخ أرض جو موجهة بأشعة الليزر .. يعمل على متنها 5000 من الأشخاص ينتمون إلى مختلف أنواع الأسلحة الأمريكية .. فضلا عن 1800 من رجال الضفادع المسلحة يتناوبون على خفر جنباتها .. إلى جانب روبوهات ؛ متصلة مباشرة ؛ بقمر صناعي خاص بها يغطي مساحة آسيا والشرق الأوسط .. آه كاميليا .. ياله من صيد ثمين لا يقدر بثمن !! .. هيئي لنا حقائب السفر ، سنغادر غدا إلى طهران ، فخطيبي ينتظرني هناك ..”

* * *
اللمسات الأخيرة …
حطت طائرة بمطار الخميني بطهران .. نزل ؛ من بين ركابها ؛ خمسة أشخاص بوجوه حليقة يحملون جوازات سفر يونانية .. أقلتهم سيارة خاصة إلى فندق أزادي وسط المدينة .. سأل أحدهم السائق بإنجليزية مرطنة : ” أية أكلة شعبية تشتهر بها إيران ؟ ” .. أجابه : ” my mama hummus ماي ماما حمص..”
ـ ” أنتم إنجلبز ..؟” …ـ : ” لا ..لا.. نحن من اليونان …” ؛ ارتاب السائق في سحنة أحدهم بملامح عربية ، وشبه دمغة سوداء تعلو ناصيته . توقفت السيارة أمام الباب الرئيس للفندق ، وما إن هم السائق بمغادرتهم حتى سمع أحدهم يتحدث العربية : ” هذا السائق كانت عيناه لا تفارقني في المرآة ولعله عميل إيراني ! .. فانفجر زملاؤه ضاحكين ؛ يردد كبيرهم : ” ولم لا .. فكل شيء جائز في بلد العجائب ؟!”
نقلهم المضيف إلى أحد أجنحة الفندق ؛ وهو يخاطبهم بإنجليزية ركيكة : “…هذا هو جناحكم الذي حجزتموه منذ عشرة أيام .. يحتوي على سبعة غرف بالإضافة إلى قاعة الاجتماعات وغرفة الأكل .. إقامة سعيدة ” .
رن الهاتف المحمول داخل غرفة أحدهم : “.. هيلو السيد .. محمود ؟ ” .. ” من المتحدث ..؟ ” .. سليم العدل من مطار اسطنبول .. ” .. آه سليم أهذا أنت…نعم سليم .. ما الأخبار ؟ ”
سنلتحق بكم هذا المساء ” .. ” أي نعم .. مرحبا .. نحن في الانتظار ، وقد وصلنا نحن الآخرون لتونا من بغداد ..” . أقفل الهاتف ورمى بجسده على السرير وراح في نوم عميق .. لكن طرقات على الباب حرمته من مواصلة شخيره ، فضغط على الزر ليشاهد على شاشة صغيرة على يمينه من يكن الطارق ؟!
” عبد الغفار .! ..طيب لحظة .. بجهاز يدوي وجهه إلى الباب لينفتح ، ويدخلعبد الغفار في منامته : ” السيدة الرئيسة تدعونا إلى اجتماع هذه الليلة ..” ، ” أهي موجودة بالفندق ؟! ” … ” لا أعلم على وجه الدقة .. فقط رسالة مشفرة وصلتني منها اللحظة حينما فتحت حاسوب الجيب ..” ..” إذن سأكمل نومي ، وبعده فليكن ما يكون .. ها .. ها.. ها ” . ختم بهذه الضحكات المدوية ، وعاد ليستلقي في فراشه .
أسفل من جناحهم ، كانت هناك وشوشة تدور بين مستخدمين وآخر بلباس إيراني فضفاض :
الأول : ” يظهر من هوياتهم ، أنهم مهندسون تابعون لشركة يابانية متخصصة في حفر الأنفاق !”
الثاني : ” .. لكن سحنتهم ، وملامحهم تشي بأنهم عرب ؛ قدموا إلى طهران لأمر ما ..”
الثالث : “..وهل كاميرات المراقبة تشتغل ؟! ”
الأول : ” ليطمئن بالكم .. فأعيننا منبثة في كل زوايا الجناح ..”.
ساد صمت قبل أن يغادروا المكان . وبعد حين توقفت سيارة أمام الفندق ؛ ترجل منها ثلاثة أشخاص ملتحين وبلباس تقليدي إيراني . تقدم أحدهم وأشار بيد ؛ تحمل مسبحة ؛ إلى عمال الفندق بالكياسة في حمل ووضع الحقائب .. صعدوا في اتجاه جناحهم .. ليشغلوا باقي الغرف الثلاث . وفي تمام العاشرة ليلا توقفت سيارة من نوع ليموزين ، نزل منها فلادوريا ، ومك سنودر في ثياب العرسان .. إلى جوار كاميليا ..هرول خدام الفندق إلى إيقاد الشموع والترحيب بمقدم العروسين .. وهي عادة الفندق مع نزلائه العرائس .
خاطبت فلادوريا الخدام بفارسية فصيحة : ” ..سلام.. سلام..” ، ثم ولجت إلى بهو الفندق وأضواء الشموع تزيدها بهاء على بهاء .
بعد أقل من ساعة ، انضم الأشخاص السبعة إلى قاعة الاجتماعات .. ومن حين لآخر كانوا يراجعون ساعاتهم … وفجأة انفتح الباب لتظهر فلادوريا في لباس أسود مكشوفة المحيا ؛ تصحبها على يمينها كاميليا … وقفوا جميعا لمقدمها ، وغمغم بعضهم بعربية سورية ” ..حمد الله على السلامة ” . توسطت المجلس ، وأدارت قرصا في جهاز كشاف Data show ليظهر ؛ على شاشة تسعُ جدارا كاملا في القاعة ؛ صورة حاملة الطائرات جورج بوش .. توجهت إليهم : ” أشكركم .. على دقة مواعيدكم .. وأخذت في تعداد مداخل ومنافذ الحاملة ، وأعينها ؛ سواء في الجو عبر القمر الصناعي ، أو في أعماق المياه ..أو حواليها إلى مسافة 80 كلم ؛ تستطيع أن ترصد جسما متحركا في حجم عصفور !
أحالت الكلمة إلى عبد السميع ؛ وهو من أصل سوري يعمل مهندسا في حفر الأنفاق .
عبد السميع : ” نعم سيدتي الرئيسة ، رجالي الخمسون ، فرغوا من حفرالنفق الأول منذ 10 أيام أسفل .. قريبا من طرطوس …” قاطعته ، وكأنها شعرت بشيء ما..”لحظة ..من فضلك .. أمسكت الهاتف لتتصل بمدير الفندق : ” هيلو مدام فلادوريا .. في خدمتكم .. !” . طلبت إليه إعداد لائحة بعشرة مستخدمين يجيدون تطهير قيعان البحار ، وأوهمته بأن فريقا من المهندسين سينضمون إلى طاقم الإسعاف لتخليص سفينة عالقة بحاجز هناك في مياه البحر …جاءها الرد سريعا ” نعم سيدتي ، في الغد سيكونون جاهزين “… قالها ومال على رئيس الخدم هامسا ” أطفئ الكاميرات .. وإلا سنخسر مداخيل سنة بالكامل !، إنهم مجرد مهندسين تترأسهم هذه العروسة الإيرانية ! ”
” عفوا.. السيد عبد السميع ، تابع ..”
ـ ” النفق جاهز .. يمر تحت البحر بعلو 7 أمتار وينتهي عند مسافة 100 متر من الجانب الأيمن للحاملة ” كمال أبو الفداء مهندس : ” نعم نفس العملية ، فقط هذا النفق أطول ويقترب من وسط الجانب الأيمن للحاملة ب 80 مترا ”
تقدم المهندس الثالث أبو بكر العربي ” عمليتي تشبه تماما عملية المهندس السيد عبد السميع ..”
رابعهم مهندس في الإلكترون والأشعة : ” كل المعدات جاهزة ؛ بما فيها الأكياس الواقية والمموهة ، وأجهزة الرصد عن بعد ” .. خامسهم ؛ مجاهد أبو علي فلسطيني ؛ خبير في الأسلحة تحت الماء : ” نعم بتنا نتوفر على أسلحة مناوراتية مؤثرة على الذاكرة الرئيسية للحاملة …” قاطعته فلادوريا ..” وهل بإمكان أجهزة يدوية أن تشوش على ذاكرة مدينة عائمة !؟ ” …”.. نعم سيدتي .. أخذنا جميع الاحتياطات في هذا الصدد ..”
سادسهم ، سليم مهندس أسلحة بحرية : “..لدينا 15 قاربا مطاطيا بلاستيك ، ببطاريات قادرة على الاحتفاظ بالطاقة لمدة 3 ساعات ..” . سابعهم ؛ محمود أبو العزائم ، خبير عسكري ؛ سبق له أن اشتغل في البحرية الملكية البريطانية : ” سأرصد فترات الجاهزية لأشير عبر لاسلكي خفيف للرجال للتقدم أو الإحجام أو الصعود إلى ظهر الحاملة ..”
سابعهم الكابتن كرينكو ؛ من أصل روسي مختص في قيادة حاملات الطائرات ذات الوقود النووي .
توجهت الأنظار إلى فلادوريا ، وهي منكبة على مجموعة من الوثائق … رفعت رأسها وتوجهت إليهم : ” .. جيد كل ما سمعناه ، لكن لدي ملاحظة أو بالأحرى رجاء .. هو ألا نعمل لتدمير الحاملة ، ولكن لتدمير حمولتها .. وأعلم أن هذا شبه مستحيل .. ولكن نأمل ألا تحضر هذه الضرورة التي ندمر فيها كل شيء يعترض طريقنا ..غدا ، سنأخذه استراحة ، على أن يكون موعدنا بعد غد في مطار طرطوس بسوريا الساعة العاشرة مساء بالتوقيت المحلي ..”

* * *
العد التنازلي لأخطر عملية .. !
في غرفة تتبع تحركات عملاء CIA في العالم ( MCIAAIW ) ؛ The movements of CIA agents in the world ، داخل الوكالة ، استرعى انتباه المستر فالدي تحرك الرمز ( CHM3 ) من طهران إلى سوريا فأسرع بالاتصال ب : ” مستر براون .. ! مستر براون .. !إنه لخبر عاجل .. العميلة فلادوريا صاحبة حقيبة الرقم ( CHM3 ) ، كشفت أقمارنا هذا الصباح أنها بسوريا وبالضبط في مطار طرطوس ..”
اندهش للنبإ ، وضغط على زر بالمنضدة لتشتغل سبورة الكترونية ؛ مليئة بالمفاتيح الضوئية .. وجعل يتتبع رمز العميلة فلادوريا ؛ وهو في حيرة من أمره ؛ أعاد الاتصال بفندق أزادي بطهران : “.. فلادوريا ، كانت مقيمة لديكم أمس البارحة .. هلا دليتمونا على معلومات إضافية وشكرا ..” ، رد عليه الفندق : “.. اجتمعت بأشخاص هنا بالفندق ، قالت إنهم ينتمون إلى فريق الصيانة خاصة بالسفن العالقة ..” .
أغلق السكة وربط الاتصال من فوره بإدارة البنطاغون ” هيلو .. هيلو ..

* * *
طرطوس تشهد اجتماعا على الهواء
فلادوريا متحجبة ؛ ترتدي نظارة سوداء وإلى جوارها كاميليا حاملة للحقيبة ( CHM3 ) ؛ تتصل بعملائها : ” عند فجر الغد الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، سيكون الشروع في الدخول وإدخال المعدات إلى الأنفاق ، بعده بنصف ساعة سيتم اختراق مخارج الأنفاق الثلاثة ، ثم بعد نصف ساعة سيتم تطويق الحاملة من جانب واحد . في تمام الساعة الثالثة سيتم تفجير الأنفاق ، والصعود إلى ظهر الحاملة ..”
وقفت فلادوريا أمام شرفة فندق مطل على ساحل طرطوس ؛ تسمرت نظراتها على أضواء تلوح من بعيد وهي تتلألأ في مياه البحر ؛ أشبه ما تكون بمدينة تقضي ليلة تحت أمطار غزيرة ..! ، تساءلت ؛ في أعماقها ؛ .. وهل ستتحول هذه الأنوار إلى نيران ..؟ كم سيلزمها من الوقود حتى تتحول إلى شظايا عائمة … ؟!
دبت حركة غير عادية داخل مرافق البنطاغون ، وصفارات الإنذار تدوي من كل جانب .. وكبار المدراء والخبراء في جلبة وضوضاء .. !
وداخل غرفة تتبع العمليات ، وقف كبار المسؤولين أمام شاشة عملاقة ؛ تعرض بالحي المباشر ؛ حاملة الطائرات جورج بوش راسية قبالة ميناء طرطوس … أحدهم يتصل “..هنا مقر البنطاغون … هنا مقر البنطاغون … إدارة السلاح الجوي الأمريكي .. الجنرال بيل هوبس .. هل تسمعني ؟ بيل هوبس ..”
أقفل السكة ليتصل بقاعدة قطر : “..هيلو.. هيلو.. الجنرال بيل هوبس ، مقر قيادة السلاح الجوي الأمريكي ” .. رد عليه صوت ” .. هيلو.. نعم السيد بيل هوبس معكم الجنرال ستيف بابلو .. نعم ”
ـ “.. ستيف بابلو أمر عاجل .. الحاملة جورج بوش ، أصبحت تحت أعين إرهابية .. احشدوا طائرات كم ، وأدركوا الحاملة على جناح السرعة ! . أقفل..”

ليلة ليلاء… !
في تمام الساعة 2.30 صباحا ؛ وعلى مقربة من الجهة اليمنى للحاملة ، وفي جنح الظلام … وغبش أضواء الحاملة ؛ شوهد لبالونات صغيرة تطفو ، سرعان ما تحولت إلى قوارب ؛ انتشرت على طول الجانب الأيمن من السفينة العملاقة ، وتكومت داخل إحداها فلادوريا وهي تنظر إلى ساعة معصمها ( كانت عقارب الساعة تشير إلى الساعة 2,55 )
أثناءها ؛ وداخل قمرة القيادة ؛ يقف الكابتن الجنرال براد هاريس ؛ يتأمل جسما يومض على شاشة الكشاف الإلكتروني ، فصرخ بأعلى صوته ،،،” الجنرال بلاك سيمون .. ! الجنرال بلاك سيمون .. !ياللهول .. أسرع إن خطرا ما يتهددنا … ! أسرع ألا ترى خطوطا نيرانية قريبة منا أتسمعني .. بلاك سيمون ؟ ..ياإلهي .. !قد يكون غارقا في النوم ..” فضغط على صفارات الإنذار في كل أرجاء الحاملة … ليتلوها خروج الجنود من عنابرهم في كر وفر .. لينتشروا على جنباتها وطوابقها وسطوحها أشبه بالنمل .. ، وكم كان اندهاشهم وهم يرون ألسنة النيران تلتهب تحت سطح مياه البحر ، تعقبها شظايا وأتربة ومياه متفجرة تتعالى في الفضاء ، في حين سمع لأصوات رصاص تلعلع هنا وهناك .. ووجوه ملثمة تزحف على ظهرها تتبادل المواقع ؛ وتسدد في اتجاه السلالم التي كانت تفضي إلى السطح . آلاف من جنود البحرية فتحوا نيران رشاشاتهم في اتجاه البحر وعلى الجنبات … وزاد في هلعهم مشهد الجنرال بلاك سيمون ملقى على السطح مضرجا بالدماء ..
وفي مشهد لتبادل إطلاق النيران ؛ وهي تضيء بين لحظة وأخرى ؛ فضاءات الحاملة ، لاحت في الأفق البعيد أسراب من الطائرات الحربية ؛ متجهة صوب الحاملة ، وإذا بأحد الملثمين يزعق في عدسة ؛ كانت مثبتة في صدغه ؛ : “..فلتدمروا الطائرات الراسية… دمروها .. دمروها عن آخرها ! ”
الصوت ، كان لفلادوريا ؛ وهي تتنقل برشاشها على السطح ؛ وسط جثث تكسو سطح الحاملة هنا وهناك ..
فتحت الطائرات نيرانها ومياهها الحارقة في اتجاه الملثمين مسترشدة بكشافات ضوئية … استمر الاقتتال أكثر من نصف ساعة قبل أن يأخذ المظليون المسلحون في النزول ، واحتلال مواقع حول الطائرات الراسية وداخل الأجنحة ، والطوابق والعنابر … وفي عمق المياه أسفل الحاملة ..
كان الكل ؛ سواء في البيت الأبيض أو البنطاغون أو وكالة المخابرات المركزية CIA ؛ يتتبع أطوارالعملية التي أطلقوا عليها عملية : ” إغاثة الأم ” ومع بزوغ طلائع أنوار الصباح الأولى ؛ شرعت قطع سفن حربية أمريكية تلتحق تباعا بالحاملة ، فيما أخذت رقعة المعركة تتكشف عن جثث ملقاة في كل اتجاه ، ومن بينها وجوه ملثمة غطت كل زوايا ظهر الحاملة ، بينما كانت هناك أخرى تطفو وتراقصها مياه البحر وسط حطام معداتهم ؛ من قوارب وخراطيش وأجهزة عائمة . وفي عملية الكشف عن الفاعلين والتأكد من هوياتهم ؛ تم العثور على جثة ملثمة عالقة بدولاب أسفل الحاملة ، فقد كانت لفلادوريا ؛ أثبت تشريحها فيما بعد ؛ أن موتها جاء على إثر مادة سامة تجرعتها … !
في لحظة ما .. رن هاتف الجنرال قائد حاملة الطائرات جورج بوش :
” … هيلو نعم.. ”
هيلو المستر الجنرال براد هاريس ، السيد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية .. معك بعد لحظة ”
البيت الأبيض : ” هيلو المستر الجنرال براد هاريس .. أمريكا تشكركم وتهنئكم على يقظتكم . وقد أصدرنا قرارا للتو بتعيينكم نائبا لوزير الدفاع … شكرا ”
” شكرا سيدي الرئيس ، فلتحي أمريكا ..”